الروسان فرسان 511
07-18-2009, 12:30 AM
بســم الله الـرحمــن الرحيــم
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
أحكـام التعامل مع غير المسـلمين في الجانب الديني ( المعاملات )
وبه نتحدث عن :
- استقبال وفودهم ورسلهم .
- غير المسلم وأحكام الميراث .
- غير المسلم في أحكام الحدود والقصاص .
- غير المسلم وأحكام الجهاد .
(2 ) جانب المعاملات
إن ما يسمى جانب المعاملات في الشريعة الإسلامية , هو الأحكام الشرعية المتعلقة بتعامل الناس بعضهم مع بعض , سواء ماكان بعوض مادي مثل البيع والشراء , وكل ما يندرج تحته من معاملات , مثل القرض , والرهن , والضمان, والحوالة ,والوكالة,والشركة , وكذلك العارية, والوديعة , وغيرها. وكذلك الأحكام الشرعية المتعلقة بتعاملات اجتماعية كما بالمواريث وتقسيمها . وما يتعلق بالنكاح ,والطلاق ,والرضاع,والحضانة,والنفقة , وجانب الحدود, والقصاص, والجنايات , والقضاء .
وسنذكر أحكام الجوانب التي لم يسبق ذكرها في الجانب الدنيوى, فقد ذكرنا عن البيع والشراء, وبعض المعاملات المرتبطة به , وكذلك الزواج وما يرتبط به . وغيرها . ومن ذلك:
أولاً : استقبال وفودهم ورسلهم :
إن استقبال الرسول - r - للوفود ,والرسل, فيه من الدروس الشرعية الكثير والكثير, التي يجب الوقوف عليها , ليتعلم المسلم حق الوافد عليه من غير المسلمين , لذا سنذكر هذه الأحداث , مع استنباط ما يفتح الله به من أحكام , إلى جانب ذكر بعض ما ذكره ابن القيم- رحمه الله- في ذلك :
ا- من الوفود التي قدمت على الرسول - r - " وفد ثَقيف " وقد ضرب لهم الرسول- r - قبَة في مسجده . وكان فيما سألوا الرسول - r - : أن يدع لهم اللات لمدة ثلاث سنين من مقدمهم عليه , فأبى عليهم ذلك . حتى سألوه شهراً واحداً ولم يجبهم . وسألوه أن يعفيهم من الصلاة فأبى عليهم , وسألوه أن يعفيهم من هدم الَلات بأيديهم , فأعفاهم من ذلك , وأرسل لهم رسلاًً , وأمَّرَّ عليهم خالد بن الوليد- رضي الله عنه- لهدمها .ومما عرض عليهم من أمورالإسلام -غير هدم اللات - ترك الربا , والخمر, والزنا .
ويستفاد من ذلك :
1- أنه يشرع استقبال وفودهم , وإكرامهم , ولكن لا يوافقون على ما يريدون إذا كان من الشركيات , أو مما يخالف مبادئ الشريعة الإسلامية وآدابها .
2- إذا عرض عليهم أمر ورفضوه - بسبب جاهليتهم- يوافقون عليه, ويسمح لهم , شرط أن لا يتعارض مع حكم شرعي , فالرسول r- - وافق وفد ثقيف في امتناعهم عن هدم اللات بأيديهم .
ب- " وفد بني تميم ":, وقد تحدث شاعرهم , وخطيبهم , بين يدي الرسول - r - فاستمع لهم , ولم ينكر عليهم مفاخرتهم بأنفسهم , وأعطاهم وأحسن لهم العطاء .
ويستفاد من هذا الموقف :
1- حسن تعامل الرسول - r - معهم, رغم مفاخرتهم بأنفسهم – ما دام حديثهم لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية .
2- وتألفهم بتقديم العطايا لهم .
3- والإجابة على أسئلتهم حتى في أمور الدنيا .
جـ - وعندما قدم عليه وفد عبد القيس , قال http://montada.rasoulallah.net/style_emoticons/default/sad.gif( ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة . فقال : مرحباً بالوفد غير خزايا ولا ندامى )) فقالوا يا رسول الله – r– إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر , وإنا لا نصل إليك ,إلا في شهر حرام – أي في شهر من الأشهر الحرم - , فمُرنا بأمر فصل, نأخذ به ,ونأمر به من وراءنا , وندخل به الجنة . فقال : (( آمركم بأربع, وأنهاكم عن أربع : آمركم بالإيمان بالله وحده , أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , وصوم رمضان , وأن تعطوا الخمُس من المغنم . وأنهاكم عن أربع : عن الدبَّاء , والحنتم , والنقير , والمزفَت , فاحفظوهن , وادعوا إليهن من وراءكم . قالوا يارسول الله – r – : ما علمك بالنقير ؟! قال : (( بلى جذع تنقرونه , ثم تلقون به من التمر , ثم تصبون عليه الماء حتى يغلي , فإذا سكن شربتموه , . . . ))
من هذا الموقف مع وفد بني عبد القيس :
1- يجب أن نحدث وفود غير المسلمين بالكلام الطيب اللين .
2- لا بد من عرض الإسلام عليهم , بتوضيح حلاله وحرامه .
3- الإجابة على أسئلتهم التي يستفسرون بها عن بعض الأمور, بإجابات شافية, وافية, واضحة .
وبالجمع بين موقف الرسول r مع هذه الوفود , نرى أن المعاملة الحسنة شرط واجب , والكرم حق لازم , وعدم المداهنة في أمور الشريعة حتم لازم . – سواء كان الوفد من المسلمين أو غيرهم - . وقد كان الحزم من الرسول r- - مع عامر بن الطفيل . أتى النبي r فقال : أخيرك بين ثلاث خصال : يكون لك أهل السهلِ ولي أهل المدر, أو أكون من بعدك, أو أغزوك بغطفان, بألف أشقر وألف شقراء . فطعن – أصيب بالطاعون – في بيت امرأة فقال : أغدة كغدة البعير, في بيت امرأة من بني فلان .ائتوني بفرسي , فركب فمات على ظهرفرسه . صحيح البخاري ( 5/ 42) .
1- فرغم سفاهته , وتطاوله على الرسول r , لم يجبه الرسول لما يريد , ولم يقابله بالمثل , وهنا تكمن عزة الإسلام مع العدو , وهي المعادلة المطلوبة دائما وأبداً مع العدو , حزم , وثبات على المبدأ , وحسن تعامل .
2- ويستفاد مما سبق أن المدح والثناء للوافد بما فيه حقا , دون مبالغة لا بأس به , وذكر ما يتصف به من خير في جاهليته دليل على أن الإسلام يقر كل خير مما كان عند الجاهليين .
وبعد فتح مكة توالت الوفود على الرسول - r - من جميع أنحاء الجزيرة العربية ومنها :
د - قدوم وفد بني حنيفة , وحين قدموا كان فيهم مسيلمة الكذاب , فأتوا الرسول- r - وخلفوا مسيلمة في رحالهم , فلما أسلموا, ذكروا للرسول r- - مكانه , فأمر له الرسول r- - بعطاء مثلهم. فلما عادوا إلى بلادهم ارتد , وادعى النبوة . وكتب للرسول - r - كتاباً يقول فيه : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله , أما بعد فإني أُشركت في الأمر معك , وإن لنا نصف الأمر , ولقريش نصف الأمر , وليس قريش قوماً يعدلون . فقدم عليه رسوله بهذا الكتاب . فكتب إليه رسول الله - r - : (( بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب , سلام على من اتبع الهدى . أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده , والعاقبة للمتقين .))
هنا يتضح لنا ما ذكرناه سابقاً :
1- بعدم المداهنة معهم, فيما يخالف الشرع .
2- لم يكتب له الرسول - r - بالرد بكلمات فيها شتم ,أو سب لذاته , بل كان الرد على ما كتب , وهذا من خلق الإسلام , وهو من مبادئ دعوته , الدعوة للدين بالحكمة ,والموعظة الحسنة, والمجادلة بالتي هي أحسن , لأن إيضاح الحق إذا شاركه تطاول على الذات , تمردت الذات بتزيين الشيطان, والهوى , فصدت عن قبول الحق .
هـ - وفي الصحيحين : من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال : قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله - r - المدينة , فجعل يقول : إن جعل لي محمداً الأمر من بعده تبعته , وقدمها في بشر كثير من قومه . فأقبل النبي - r - ومعه ثابت بن قيس بن شماس , وفي يد النبي - r - جريدة , حتى وقف على مسيلمة في أصحابه , فقال : (( إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها , ولن تعدو أمر الله فيك , ولئن أدبرت ليعقرنك الله , وإني أراك الذي أريت فيه ما أريت , وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني )) ثم انصرف . قال ابن عباس : فسألت عن قول النبي - r - (( إنك الذي أريت فيه ما أريت )) فأخبرني أبو هريرة - رضي الله عنه – أن النبي - r- قال : ( بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب , فأهمني شأنهما , فأُوحي إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا , فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي , فهذان هما , أحدهما العنسي صاحب صنعاء , والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة )) البخاري ( 5/ 119) .
ومن هذا الموقف نسستفيد :
1- أن ولى أمر المسلمين يخرج لمقابلة من يريد مقابلته من أهل الكفر , ويسمع منهم مقالتهم 2- يجوز لولي الأمر أن يوكل من ينوب عنه في مقابلتهم , كما فعل الرسول- r - حين وكل ثابت - رضي الله عنه -.
3- يجب الابتعاد عن الجدال غيرالمثمر مع العدو , إذا علمنا من القرائن الظاهرة من حديثه , أو أفعاله , أنه معاند مستكبر .
كيف نرد على غير المسلمين لو قالوا لنا لماذا لم يتقاسم الرسول صلى الله عليه وسلم النبوة مع مسيلمة , وأمثاله ؟
نرد عليهم أن النبوة توقيفية , توهب- بالوحي من الله تعالى - ولا تكتسب ,بأي طريق, أو ثمن , وهي شيء عظيم , يمن الله بها على من يشاء من عباده ويصطفي , فهو- سبحانه وتعالى- يعلم بعلمه الأزلي أن هؤلاء مؤهلون لحمل رسالات ربهم , وتبليغها للناس , فجعلهم أمناء على هذه الرسالات التي فيها حياة القلوب,وصلاح الشعوب , [ الأنعام : 124]
وليست الرسالة شيئاً يكتسب , وليس هناك بعض الأفعال التي يقوم بها العبد , ويواظب عليها فيصل بذلك إلى مرتبة النبوة . فالله تعالى من حكمته أن لا يضع رسالته عند من لا يستحقها .
وبالمقارنة بين ما دعا إليه رسول الله- تعالى -من كل فعل جميل, وخلق فضيل , وبين ما دعا إليه مسيلمة الكذاب, في كذبه من سفاسف الأمور ,التي لا ترضى بها أدنى العقول فهماً. ندرك بأن الرسالة عظيمة , لا يحملها الله إلا من يستحقها .
و- قدوم وفد طيئ : قدم على الرسول r- - وفد طيئ , وفيهم زيد الخيل , فعرض عليهم الرسول - r - الإسلام , فأسلموا , فقال رسول الله -r - : (( ما ذكر لي رجل من العرب بفضل,ثم جاءني ,إلا رأيته دون ما يقال فيه ,إلا زيد الخيل , فإنه لم يبلغ كل ما فيه .)) ثم سماه زيد الخير .
و يستفاد هنا :
1- أن المدح والثناء للوافد بما فيه ,دون مبالغة , لا بأس به. وذكر مايتصف به من خير في جاهليته , دليل على أن الإسلام يقر كل خير مما كان عند الجاهليين .
ز - قدوم وفد نجران : وفد على رسول الله - r - وفد نجران , ودخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر , فحان وقت صلاتهم , فقاموا يصلون في مسجده , فأراد الناس منعهم , فقال رسول الله r- - : (( دعوهم )) فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم . وقد جادلهم الرسول - r - في نبوته ودعوته , ويسألونه عن عيسى بن مريم – عليه السلام – ما تقول في عيسى عليه السلام ؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى , فيسرنا إن كنت نبياً أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله - r - : (( ما عندي شيئ يومي هذا , فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى عليه السلام . فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل قوله تعالى [ آل عمران : 59- 61]
ويستفاد هنا :
1- جواز دخول غير المسلمين من أهل الكتاب مساجد المسلمين , ما عدا المسجد الحرام .
وتمكينهم من أداء صلاتهم في المسجد , إذا كان لأمر عارض . ولا يمكنون من اعتياد ذلك .
هل يجوز في الوقت الحالي تمكينهم من الصلاة في المساجد ؟
لا يجوز ذلك , لأنه في زمن الرسول - r - لم يكن هناك مقر يستقبل فيه الوفودغير مسجده, أما الآن فإن وفود غير المسلمين لها أماكن رسمية لاستقبالهم , فلا يمكنون من المساجد لإقامة شعائر دينهم .
2- ووفد نجران لما صلوا , لم ينكر عليهم الرسول - r - مما يدل على أن الوفد غير المسلم لا ينكر عليه بالأمور التي تنكر عادة على المسلم , شرط أن لا يكون في ذلك إظهارا لعزة دينهم, أو تطاول على عزة الإسلام , فوفد نجران لم يقصدوا شيئا ًمن ذلك .
3- أن وفد نجران لم يكن مثل اليهود, الذين يعيشون في المدينة , وعلى صلة بالمؤمنين , فلو فعل اليهود ذلك لكان فعلهم مقصود منه إظهاراً لعزة اليهودية , أما هم فلم يكن القصد منهم سوى أداء عبادتهم , مع جهل بشريعة الإسلام وأحكامها , فهم حديثي الوصول إلى المدينة .
4- ويجوز مجادلتهم بالحق , ومنا ظرتهم ,خصوصاً مع من يرجى إسلامه , مع ضرورة التقيد بآداب الشريعة الإسلامية , وكذلك الآداب الدنيوية في المجادلة , ولتكن النية فيها إظهار الحق , لا الانتصار للذات .
5- ويستفاد منه أن العفو عن أعمال غير المسلم التي بدرت منه قبل إسلامه , من كمال الخلق الإسلامي , ومن سنن نبيه r .
6- ولابد من الصبر على سوء معاملتهم , وفظاظة قولهم , وشدة عداوتهم , ومجادلتهم بالتي هي أحسن , لتنقاد قلوبهم للإسلام, لأن النفس جبلت على حب من يعفو عنها , ويحسن معاملتها .
7- إن أسلوب المحاورة من أفضل أساليب الإقناع , إذا التزم كل طرف بآداب المحاورة المتعارف عليها عرفاً بين الناس , وكل مسلم مأمور بها شرعا .فمن ينصت له وهو يتكلم , سينصت لمن أنصت له إذا تكلم .
كيفية التعامل مع رسلهم :
لا يجوز التعرض لرسلهم بالسوء , والأذى أبداً ,والوفاء لهم بعهودهم في رسلهم , فالرسول - r - جاءه رسولا مسيلمة الكذاب . ودعاهما إلى أن يشهدا أنه رسول الله , لكنهما شهدا لمسيلمة بذلك . وروى أبو داود في سننه عن محمد بن اسحاق قال : كان مسيلمة كتب إلى رسول الله - r - قال : وقد حدثني محمد بن اسحاق عن شيخ من أشجع يقال له سعد بن طارق , عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي عن أبيه نعيم قال : سمعت رسول الله r- - يقول لهما حين قرأ كتاب مسيلمة http://montada.rasoulallah.net/style_emoticons/default/sad.gif( ما تقولان أنتما ؟ قالا : نقول كما قال, قال : أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما. )) سنن أبي داود ( 3/ 84) .
وكذلك وفى لقريش بعهدها , فعن الحسن بن علي بن رافع , أن أبا رافع – رضي الله عنه – أخبره قال : بعثتني قريش إلى رسول الله - r - فلما رأيت رسول الله - r - أُلقي في قلبي الإسلام , فقلت : يا رسول الله – r – إني والله لا أرجع إليهم أبداً , فقال رسول الله - r - http://montada.rasoulallah.net/style_emoticons/default/sad.gif( إني لا أخيس بالعهد , ولا أحبس البرد , ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع . )) قال : فذهبت , ثم أتيت النبي - r - فأسلمت . المرجع السابق ( 3/ 83) .
و من موقف رسولي مسيلمة الكذاب, نستفيد :
1- أن من أحكام التعامل مع غير المسلمين , عدم الغدر برسلهم , حتى ولو صدر منهما ما يوجب قتلهما . وفاء للعهد الذي مع قومهما . حيث – والله أعلم – أن فعلهما , وما يستوجبه من عقاب حق فردي , والعهد مع قومهما حق عام , والحق العام يقدم على الخاص .
2- ومن أحكام التعامل معهما أيضاً , إن ما صدر من الرسول المرسل من قبل غير المسلمين, تصرف يشكر عليه , - وهو اختيار الإسلام و الإقامة مع المسلمين في ديارهم - ومع ذلك لم يسمح له الرسول r- - بالبقاء , لأنَه في تلك الحال رسول لقومه , والوفاء لهم بعهدهم مقدم على حقِّه الفردي , لكن دله - r - على ما ينبغي له فعله ,ليسلم موقف الرسول - r - الشرعي . وينال هو مطلوبه, دون غدر ,أو نقض للعهود , والمواثيق .
3- إن استقبال الوفود من غير المسلمين تحتاج إلى مهارة حوارية يتمتع بها من يقابلهم , وكذلك خبرة عميقة في دياناتهم , وفهما صحيحاً لأحكام عقيدتنا ,وثقافة شاملة لأمور الدنيا والآخرة والدين ,التي يحتاجها في محاورته . وشخصية فذة تستطيع التأثير فيمن تحاوره , وقبل ذلك كلُه إخلاصاً في النية لله تعالى , لينال التوفيق منه - سبحانه - لأنَه من الحق الواجب لديننا أن نبرزه لمن يجهله في صورته الحقيقية الرائعة , التي لا تشوبها شائبة جهل, ولا تلوثها لوثة معتقد باطل . ومن حق من نعلمه ديننا أن ننصح له , ونعلمه إيَاه على الوجه الذي ينبغي , حتى لا يحاججنا أمام الله يوم القيامة , ثم لا نجد لنا أمام حجته وليأً ولا نصيراً .
هذه بعض آداب استقبال وفودهم , ومن المناسب هنا أن نذكر هديه - r - في
مكاتبتهم وإرسال الخطابات إليهم :
ثبت في الصحيحين عنه - r - أنَه كتب إلى هرقل : (( بسم الله الرَّحمن الرَّحيم , من محمد رسول الله , إلى هرقل عظيم الروم , سلام على من اتبع الهدى , أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام , أسلم تسلم , يؤتك الله أجرك مرتين , فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين - الفلاحين - ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله , ولا نشرك به شيئاً , ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله , فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) البخاري ( 4/ 2) .
وكذلك شأنه في كتابه إلى النجاشي ملك الحبشة , والمقوقس ملك مصر , وقد أرسل إليه هدية ولم يسلم فقبل الرسول - r - هديته . وفي كتابه لملك البحرين المنذر بن ساوى , رد عليه المنذر برسالة يقول فيها : " أما بعد : يا رسول الله – r – فإني قرأت كتابك على أهل البحرين , فمنهم من أحب الإسلام , وأعجبه ودخل فيه , ومنهم من كرهه , وبأرضي مجوس ويهود , فأحدث إلي في ذلك أمرك " فكتب إليه الرسول r- - : (( بسم الله الرحمن الرحيم , من محمد رسول الله – r – إلى المنذر بن ساوى , سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو , وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله , أما بعد : فإنّي أذكرك الله عز وجل , فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه , وإنه من يطع رسلي , ويتبع أمرهم ,فقد أطاعني , ومن نصح لهم فقد نصح لي , وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً , وإني قد شفعتك في قومك , فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه , وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم , وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك , ومن أقام على يهوديته , أو مجوسيته , فعليه الجزية .)) وكذلك أرسل إلى ملك عُمان , وصاحب اليمامة , وإلى الحارث الغساني .
ونرى من كل ذلك :
1- في جميع كتبه يخاطبهم -r – بعظيم كذا – احتراماً لمكانتهم الدنيوية , مما يدل على أنه ينبغي إنزال رؤساءهم منازلهم الدنيوية , لأن هذا التكريم يزيل وحر الصدر , فيكون أدعى لقبول ما كتب بعده , فنرى أن من كتب لهم الرسول - r - كانوا على النحو التالي :
- من قبل الدعوة وأسلم , مثل النجاشي ملك الحبشة , والمنذر بن ساوى ملك البحرين , وملك عمان .
- من لم يقبل الدعوة , لكنه أكرم رسول رسول الله , وأرسل الهدايا للرسول -r - وإرسال الهدايا دليل على ما وقر في النفس, من حب لهذا الدين, لكن طغى عليه حب الرياسة فأطفأه, مثل المقوقس ملك مصر , وكذلك صاحب اليمامة .
- منهم من لم يقبل الدعوة , وأساء في الرد , مثل كسرى ملك الفرس , الذي مزق رسالتة r- - .
وبالمقارنة بين الفئات الثلاث , نجد أن القبول هو الغالب , والسبب بعد توفيق الله تعالى , هو حسن المخاطبة منه - r - لهم .
وكذلك كان يكتب لهم (( السلام على من اتبع الهدى )) , وهي دعوة تدل كلمة السلام فيها , على مبدأ دعوته التي يدعو إليها , وتشملهم الدعوة إن أسلموا .
2- لم يكتب قط لأحد في مطمع دنيوي أبداً , لأنه ليس هدف العقيدة التي يدعو إليها .
3- قبوله هداياهم , لأن الهدية دليل المحبة من مهديها , وقبولها دليل نقاء القلب من قابلها, رغم عدم قبول دعوته , وهذا حكماً شرعياً , وسنة في شرعه , تبين جانب من كيفية التعامل مع غير المسلمين .
4- في موقف صاحب اليمامه , الذي أكرم رسول رسول الله , لكنه طلب من الرسول - r- أن يجعل له الأمر من بعده , فلم يوافقه الرسول- r - على ذلك . حيث لا مساومة على الدين أبداً , ولا قبول لأي مساومة وبأي صورة , مهما كانت الأسباب . ( ماكتب عن الوفود بتصرف من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم )
منقول للفاءدة
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
أحكـام التعامل مع غير المسـلمين في الجانب الديني ( المعاملات )
وبه نتحدث عن :
- استقبال وفودهم ورسلهم .
- غير المسلم وأحكام الميراث .
- غير المسلم في أحكام الحدود والقصاص .
- غير المسلم وأحكام الجهاد .
(2 ) جانب المعاملات
إن ما يسمى جانب المعاملات في الشريعة الإسلامية , هو الأحكام الشرعية المتعلقة بتعامل الناس بعضهم مع بعض , سواء ماكان بعوض مادي مثل البيع والشراء , وكل ما يندرج تحته من معاملات , مثل القرض , والرهن , والضمان, والحوالة ,والوكالة,والشركة , وكذلك العارية, والوديعة , وغيرها. وكذلك الأحكام الشرعية المتعلقة بتعاملات اجتماعية كما بالمواريث وتقسيمها . وما يتعلق بالنكاح ,والطلاق ,والرضاع,والحضانة,والنفقة , وجانب الحدود, والقصاص, والجنايات , والقضاء .
وسنذكر أحكام الجوانب التي لم يسبق ذكرها في الجانب الدنيوى, فقد ذكرنا عن البيع والشراء, وبعض المعاملات المرتبطة به , وكذلك الزواج وما يرتبط به . وغيرها . ومن ذلك:
أولاً : استقبال وفودهم ورسلهم :
إن استقبال الرسول - r - للوفود ,والرسل, فيه من الدروس الشرعية الكثير والكثير, التي يجب الوقوف عليها , ليتعلم المسلم حق الوافد عليه من غير المسلمين , لذا سنذكر هذه الأحداث , مع استنباط ما يفتح الله به من أحكام , إلى جانب ذكر بعض ما ذكره ابن القيم- رحمه الله- في ذلك :
ا- من الوفود التي قدمت على الرسول - r - " وفد ثَقيف " وقد ضرب لهم الرسول- r - قبَة في مسجده . وكان فيما سألوا الرسول - r - : أن يدع لهم اللات لمدة ثلاث سنين من مقدمهم عليه , فأبى عليهم ذلك . حتى سألوه شهراً واحداً ولم يجبهم . وسألوه أن يعفيهم من الصلاة فأبى عليهم , وسألوه أن يعفيهم من هدم الَلات بأيديهم , فأعفاهم من ذلك , وأرسل لهم رسلاًً , وأمَّرَّ عليهم خالد بن الوليد- رضي الله عنه- لهدمها .ومما عرض عليهم من أمورالإسلام -غير هدم اللات - ترك الربا , والخمر, والزنا .
ويستفاد من ذلك :
1- أنه يشرع استقبال وفودهم , وإكرامهم , ولكن لا يوافقون على ما يريدون إذا كان من الشركيات , أو مما يخالف مبادئ الشريعة الإسلامية وآدابها .
2- إذا عرض عليهم أمر ورفضوه - بسبب جاهليتهم- يوافقون عليه, ويسمح لهم , شرط أن لا يتعارض مع حكم شرعي , فالرسول r- - وافق وفد ثقيف في امتناعهم عن هدم اللات بأيديهم .
ب- " وفد بني تميم ":, وقد تحدث شاعرهم , وخطيبهم , بين يدي الرسول - r - فاستمع لهم , ولم ينكر عليهم مفاخرتهم بأنفسهم , وأعطاهم وأحسن لهم العطاء .
ويستفاد من هذا الموقف :
1- حسن تعامل الرسول - r - معهم, رغم مفاخرتهم بأنفسهم – ما دام حديثهم لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية .
2- وتألفهم بتقديم العطايا لهم .
3- والإجابة على أسئلتهم حتى في أمور الدنيا .
جـ - وعندما قدم عليه وفد عبد القيس , قال http://montada.rasoulallah.net/style_emoticons/default/sad.gif( ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة . فقال : مرحباً بالوفد غير خزايا ولا ندامى )) فقالوا يا رسول الله – r– إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر , وإنا لا نصل إليك ,إلا في شهر حرام – أي في شهر من الأشهر الحرم - , فمُرنا بأمر فصل, نأخذ به ,ونأمر به من وراءنا , وندخل به الجنة . فقال : (( آمركم بأربع, وأنهاكم عن أربع : آمركم بالإيمان بالله وحده , أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , وصوم رمضان , وأن تعطوا الخمُس من المغنم . وأنهاكم عن أربع : عن الدبَّاء , والحنتم , والنقير , والمزفَت , فاحفظوهن , وادعوا إليهن من وراءكم . قالوا يارسول الله – r – : ما علمك بالنقير ؟! قال : (( بلى جذع تنقرونه , ثم تلقون به من التمر , ثم تصبون عليه الماء حتى يغلي , فإذا سكن شربتموه , . . . ))
من هذا الموقف مع وفد بني عبد القيس :
1- يجب أن نحدث وفود غير المسلمين بالكلام الطيب اللين .
2- لا بد من عرض الإسلام عليهم , بتوضيح حلاله وحرامه .
3- الإجابة على أسئلتهم التي يستفسرون بها عن بعض الأمور, بإجابات شافية, وافية, واضحة .
وبالجمع بين موقف الرسول r مع هذه الوفود , نرى أن المعاملة الحسنة شرط واجب , والكرم حق لازم , وعدم المداهنة في أمور الشريعة حتم لازم . – سواء كان الوفد من المسلمين أو غيرهم - . وقد كان الحزم من الرسول r- - مع عامر بن الطفيل . أتى النبي r فقال : أخيرك بين ثلاث خصال : يكون لك أهل السهلِ ولي أهل المدر, أو أكون من بعدك, أو أغزوك بغطفان, بألف أشقر وألف شقراء . فطعن – أصيب بالطاعون – في بيت امرأة فقال : أغدة كغدة البعير, في بيت امرأة من بني فلان .ائتوني بفرسي , فركب فمات على ظهرفرسه . صحيح البخاري ( 5/ 42) .
1- فرغم سفاهته , وتطاوله على الرسول r , لم يجبه الرسول لما يريد , ولم يقابله بالمثل , وهنا تكمن عزة الإسلام مع العدو , وهي المعادلة المطلوبة دائما وأبداً مع العدو , حزم , وثبات على المبدأ , وحسن تعامل .
2- ويستفاد مما سبق أن المدح والثناء للوافد بما فيه حقا , دون مبالغة لا بأس به , وذكر ما يتصف به من خير في جاهليته دليل على أن الإسلام يقر كل خير مما كان عند الجاهليين .
وبعد فتح مكة توالت الوفود على الرسول - r - من جميع أنحاء الجزيرة العربية ومنها :
د - قدوم وفد بني حنيفة , وحين قدموا كان فيهم مسيلمة الكذاب , فأتوا الرسول- r - وخلفوا مسيلمة في رحالهم , فلما أسلموا, ذكروا للرسول r- - مكانه , فأمر له الرسول r- - بعطاء مثلهم. فلما عادوا إلى بلادهم ارتد , وادعى النبوة . وكتب للرسول - r - كتاباً يقول فيه : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله , أما بعد فإني أُشركت في الأمر معك , وإن لنا نصف الأمر , ولقريش نصف الأمر , وليس قريش قوماً يعدلون . فقدم عليه رسوله بهذا الكتاب . فكتب إليه رسول الله - r - : (( بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب , سلام على من اتبع الهدى . أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده , والعاقبة للمتقين .))
هنا يتضح لنا ما ذكرناه سابقاً :
1- بعدم المداهنة معهم, فيما يخالف الشرع .
2- لم يكتب له الرسول - r - بالرد بكلمات فيها شتم ,أو سب لذاته , بل كان الرد على ما كتب , وهذا من خلق الإسلام , وهو من مبادئ دعوته , الدعوة للدين بالحكمة ,والموعظة الحسنة, والمجادلة بالتي هي أحسن , لأن إيضاح الحق إذا شاركه تطاول على الذات , تمردت الذات بتزيين الشيطان, والهوى , فصدت عن قبول الحق .
هـ - وفي الصحيحين : من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال : قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله - r - المدينة , فجعل يقول : إن جعل لي محمداً الأمر من بعده تبعته , وقدمها في بشر كثير من قومه . فأقبل النبي - r - ومعه ثابت بن قيس بن شماس , وفي يد النبي - r - جريدة , حتى وقف على مسيلمة في أصحابه , فقال : (( إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها , ولن تعدو أمر الله فيك , ولئن أدبرت ليعقرنك الله , وإني أراك الذي أريت فيه ما أريت , وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني )) ثم انصرف . قال ابن عباس : فسألت عن قول النبي - r - (( إنك الذي أريت فيه ما أريت )) فأخبرني أبو هريرة - رضي الله عنه – أن النبي - r- قال : ( بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب , فأهمني شأنهما , فأُوحي إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا , فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي , فهذان هما , أحدهما العنسي صاحب صنعاء , والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة )) البخاري ( 5/ 119) .
ومن هذا الموقف نسستفيد :
1- أن ولى أمر المسلمين يخرج لمقابلة من يريد مقابلته من أهل الكفر , ويسمع منهم مقالتهم 2- يجوز لولي الأمر أن يوكل من ينوب عنه في مقابلتهم , كما فعل الرسول- r - حين وكل ثابت - رضي الله عنه -.
3- يجب الابتعاد عن الجدال غيرالمثمر مع العدو , إذا علمنا من القرائن الظاهرة من حديثه , أو أفعاله , أنه معاند مستكبر .
كيف نرد على غير المسلمين لو قالوا لنا لماذا لم يتقاسم الرسول صلى الله عليه وسلم النبوة مع مسيلمة , وأمثاله ؟
نرد عليهم أن النبوة توقيفية , توهب- بالوحي من الله تعالى - ولا تكتسب ,بأي طريق, أو ثمن , وهي شيء عظيم , يمن الله بها على من يشاء من عباده ويصطفي , فهو- سبحانه وتعالى- يعلم بعلمه الأزلي أن هؤلاء مؤهلون لحمل رسالات ربهم , وتبليغها للناس , فجعلهم أمناء على هذه الرسالات التي فيها حياة القلوب,وصلاح الشعوب , [ الأنعام : 124]
وليست الرسالة شيئاً يكتسب , وليس هناك بعض الأفعال التي يقوم بها العبد , ويواظب عليها فيصل بذلك إلى مرتبة النبوة . فالله تعالى من حكمته أن لا يضع رسالته عند من لا يستحقها .
وبالمقارنة بين ما دعا إليه رسول الله- تعالى -من كل فعل جميل, وخلق فضيل , وبين ما دعا إليه مسيلمة الكذاب, في كذبه من سفاسف الأمور ,التي لا ترضى بها أدنى العقول فهماً. ندرك بأن الرسالة عظيمة , لا يحملها الله إلا من يستحقها .
و- قدوم وفد طيئ : قدم على الرسول r- - وفد طيئ , وفيهم زيد الخيل , فعرض عليهم الرسول - r - الإسلام , فأسلموا , فقال رسول الله -r - : (( ما ذكر لي رجل من العرب بفضل,ثم جاءني ,إلا رأيته دون ما يقال فيه ,إلا زيد الخيل , فإنه لم يبلغ كل ما فيه .)) ثم سماه زيد الخير .
و يستفاد هنا :
1- أن المدح والثناء للوافد بما فيه ,دون مبالغة , لا بأس به. وذكر مايتصف به من خير في جاهليته , دليل على أن الإسلام يقر كل خير مما كان عند الجاهليين .
ز - قدوم وفد نجران : وفد على رسول الله - r - وفد نجران , ودخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر , فحان وقت صلاتهم , فقاموا يصلون في مسجده , فأراد الناس منعهم , فقال رسول الله r- - : (( دعوهم )) فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم . وقد جادلهم الرسول - r - في نبوته ودعوته , ويسألونه عن عيسى بن مريم – عليه السلام – ما تقول في عيسى عليه السلام ؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى , فيسرنا إن كنت نبياً أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله - r - : (( ما عندي شيئ يومي هذا , فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى عليه السلام . فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل قوله تعالى [ آل عمران : 59- 61]
ويستفاد هنا :
1- جواز دخول غير المسلمين من أهل الكتاب مساجد المسلمين , ما عدا المسجد الحرام .
وتمكينهم من أداء صلاتهم في المسجد , إذا كان لأمر عارض . ولا يمكنون من اعتياد ذلك .
هل يجوز في الوقت الحالي تمكينهم من الصلاة في المساجد ؟
لا يجوز ذلك , لأنه في زمن الرسول - r - لم يكن هناك مقر يستقبل فيه الوفودغير مسجده, أما الآن فإن وفود غير المسلمين لها أماكن رسمية لاستقبالهم , فلا يمكنون من المساجد لإقامة شعائر دينهم .
2- ووفد نجران لما صلوا , لم ينكر عليهم الرسول - r - مما يدل على أن الوفد غير المسلم لا ينكر عليه بالأمور التي تنكر عادة على المسلم , شرط أن لا يكون في ذلك إظهارا لعزة دينهم, أو تطاول على عزة الإسلام , فوفد نجران لم يقصدوا شيئا ًمن ذلك .
3- أن وفد نجران لم يكن مثل اليهود, الذين يعيشون في المدينة , وعلى صلة بالمؤمنين , فلو فعل اليهود ذلك لكان فعلهم مقصود منه إظهاراً لعزة اليهودية , أما هم فلم يكن القصد منهم سوى أداء عبادتهم , مع جهل بشريعة الإسلام وأحكامها , فهم حديثي الوصول إلى المدينة .
4- ويجوز مجادلتهم بالحق , ومنا ظرتهم ,خصوصاً مع من يرجى إسلامه , مع ضرورة التقيد بآداب الشريعة الإسلامية , وكذلك الآداب الدنيوية في المجادلة , ولتكن النية فيها إظهار الحق , لا الانتصار للذات .
5- ويستفاد منه أن العفو عن أعمال غير المسلم التي بدرت منه قبل إسلامه , من كمال الخلق الإسلامي , ومن سنن نبيه r .
6- ولابد من الصبر على سوء معاملتهم , وفظاظة قولهم , وشدة عداوتهم , ومجادلتهم بالتي هي أحسن , لتنقاد قلوبهم للإسلام, لأن النفس جبلت على حب من يعفو عنها , ويحسن معاملتها .
7- إن أسلوب المحاورة من أفضل أساليب الإقناع , إذا التزم كل طرف بآداب المحاورة المتعارف عليها عرفاً بين الناس , وكل مسلم مأمور بها شرعا .فمن ينصت له وهو يتكلم , سينصت لمن أنصت له إذا تكلم .
كيفية التعامل مع رسلهم :
لا يجوز التعرض لرسلهم بالسوء , والأذى أبداً ,والوفاء لهم بعهودهم في رسلهم , فالرسول - r - جاءه رسولا مسيلمة الكذاب . ودعاهما إلى أن يشهدا أنه رسول الله , لكنهما شهدا لمسيلمة بذلك . وروى أبو داود في سننه عن محمد بن اسحاق قال : كان مسيلمة كتب إلى رسول الله - r - قال : وقد حدثني محمد بن اسحاق عن شيخ من أشجع يقال له سعد بن طارق , عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي عن أبيه نعيم قال : سمعت رسول الله r- - يقول لهما حين قرأ كتاب مسيلمة http://montada.rasoulallah.net/style_emoticons/default/sad.gif( ما تقولان أنتما ؟ قالا : نقول كما قال, قال : أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما. )) سنن أبي داود ( 3/ 84) .
وكذلك وفى لقريش بعهدها , فعن الحسن بن علي بن رافع , أن أبا رافع – رضي الله عنه – أخبره قال : بعثتني قريش إلى رسول الله - r - فلما رأيت رسول الله - r - أُلقي في قلبي الإسلام , فقلت : يا رسول الله – r – إني والله لا أرجع إليهم أبداً , فقال رسول الله - r - http://montada.rasoulallah.net/style_emoticons/default/sad.gif( إني لا أخيس بالعهد , ولا أحبس البرد , ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع . )) قال : فذهبت , ثم أتيت النبي - r - فأسلمت . المرجع السابق ( 3/ 83) .
و من موقف رسولي مسيلمة الكذاب, نستفيد :
1- أن من أحكام التعامل مع غير المسلمين , عدم الغدر برسلهم , حتى ولو صدر منهما ما يوجب قتلهما . وفاء للعهد الذي مع قومهما . حيث – والله أعلم – أن فعلهما , وما يستوجبه من عقاب حق فردي , والعهد مع قومهما حق عام , والحق العام يقدم على الخاص .
2- ومن أحكام التعامل معهما أيضاً , إن ما صدر من الرسول المرسل من قبل غير المسلمين, تصرف يشكر عليه , - وهو اختيار الإسلام و الإقامة مع المسلمين في ديارهم - ومع ذلك لم يسمح له الرسول r- - بالبقاء , لأنَه في تلك الحال رسول لقومه , والوفاء لهم بعهدهم مقدم على حقِّه الفردي , لكن دله - r - على ما ينبغي له فعله ,ليسلم موقف الرسول - r - الشرعي . وينال هو مطلوبه, دون غدر ,أو نقض للعهود , والمواثيق .
3- إن استقبال الوفود من غير المسلمين تحتاج إلى مهارة حوارية يتمتع بها من يقابلهم , وكذلك خبرة عميقة في دياناتهم , وفهما صحيحاً لأحكام عقيدتنا ,وثقافة شاملة لأمور الدنيا والآخرة والدين ,التي يحتاجها في محاورته . وشخصية فذة تستطيع التأثير فيمن تحاوره , وقبل ذلك كلُه إخلاصاً في النية لله تعالى , لينال التوفيق منه - سبحانه - لأنَه من الحق الواجب لديننا أن نبرزه لمن يجهله في صورته الحقيقية الرائعة , التي لا تشوبها شائبة جهل, ولا تلوثها لوثة معتقد باطل . ومن حق من نعلمه ديننا أن ننصح له , ونعلمه إيَاه على الوجه الذي ينبغي , حتى لا يحاججنا أمام الله يوم القيامة , ثم لا نجد لنا أمام حجته وليأً ولا نصيراً .
هذه بعض آداب استقبال وفودهم , ومن المناسب هنا أن نذكر هديه - r - في
مكاتبتهم وإرسال الخطابات إليهم :
ثبت في الصحيحين عنه - r - أنَه كتب إلى هرقل : (( بسم الله الرَّحمن الرَّحيم , من محمد رسول الله , إلى هرقل عظيم الروم , سلام على من اتبع الهدى , أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام , أسلم تسلم , يؤتك الله أجرك مرتين , فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين - الفلاحين - ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله , ولا نشرك به شيئاً , ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله , فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) البخاري ( 4/ 2) .
وكذلك شأنه في كتابه إلى النجاشي ملك الحبشة , والمقوقس ملك مصر , وقد أرسل إليه هدية ولم يسلم فقبل الرسول - r - هديته . وفي كتابه لملك البحرين المنذر بن ساوى , رد عليه المنذر برسالة يقول فيها : " أما بعد : يا رسول الله – r – فإني قرأت كتابك على أهل البحرين , فمنهم من أحب الإسلام , وأعجبه ودخل فيه , ومنهم من كرهه , وبأرضي مجوس ويهود , فأحدث إلي في ذلك أمرك " فكتب إليه الرسول r- - : (( بسم الله الرحمن الرحيم , من محمد رسول الله – r – إلى المنذر بن ساوى , سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو , وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله , أما بعد : فإنّي أذكرك الله عز وجل , فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه , وإنه من يطع رسلي , ويتبع أمرهم ,فقد أطاعني , ومن نصح لهم فقد نصح لي , وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً , وإني قد شفعتك في قومك , فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه , وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم , وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك , ومن أقام على يهوديته , أو مجوسيته , فعليه الجزية .)) وكذلك أرسل إلى ملك عُمان , وصاحب اليمامة , وإلى الحارث الغساني .
ونرى من كل ذلك :
1- في جميع كتبه يخاطبهم -r – بعظيم كذا – احتراماً لمكانتهم الدنيوية , مما يدل على أنه ينبغي إنزال رؤساءهم منازلهم الدنيوية , لأن هذا التكريم يزيل وحر الصدر , فيكون أدعى لقبول ما كتب بعده , فنرى أن من كتب لهم الرسول - r - كانوا على النحو التالي :
- من قبل الدعوة وأسلم , مثل النجاشي ملك الحبشة , والمنذر بن ساوى ملك البحرين , وملك عمان .
- من لم يقبل الدعوة , لكنه أكرم رسول رسول الله , وأرسل الهدايا للرسول -r - وإرسال الهدايا دليل على ما وقر في النفس, من حب لهذا الدين, لكن طغى عليه حب الرياسة فأطفأه, مثل المقوقس ملك مصر , وكذلك صاحب اليمامة .
- منهم من لم يقبل الدعوة , وأساء في الرد , مثل كسرى ملك الفرس , الذي مزق رسالتة r- - .
وبالمقارنة بين الفئات الثلاث , نجد أن القبول هو الغالب , والسبب بعد توفيق الله تعالى , هو حسن المخاطبة منه - r - لهم .
وكذلك كان يكتب لهم (( السلام على من اتبع الهدى )) , وهي دعوة تدل كلمة السلام فيها , على مبدأ دعوته التي يدعو إليها , وتشملهم الدعوة إن أسلموا .
2- لم يكتب قط لأحد في مطمع دنيوي أبداً , لأنه ليس هدف العقيدة التي يدعو إليها .
3- قبوله هداياهم , لأن الهدية دليل المحبة من مهديها , وقبولها دليل نقاء القلب من قابلها, رغم عدم قبول دعوته , وهذا حكماً شرعياً , وسنة في شرعه , تبين جانب من كيفية التعامل مع غير المسلمين .
4- في موقف صاحب اليمامه , الذي أكرم رسول رسول الله , لكنه طلب من الرسول - r- أن يجعل له الأمر من بعده , فلم يوافقه الرسول- r - على ذلك . حيث لا مساومة على الدين أبداً , ولا قبول لأي مساومة وبأي صورة , مهما كانت الأسباب . ( ماكتب عن الوفود بتصرف من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم )
منقول للفاءدة